خارج النص: ستون عاما
الكاتب: حلمي الأسمر
  حصتي منها خمسون ونيف، عمري ست حروب أو أكثر، وسلام ورقي هش، حتى وقت قريب كنت أحمل الاحتلال في جوفي، أتناوله مع إفطار الصباح، وينام معي على مخدتي، ويطل لي من خلال ضحكة أو ابتسامة فيخنقها، كنت مسكونا بكشرة صلاح الدين الأيوبي الذي أقسم ألا يضحك قبل أن يحرر بيت المقدس، شيئا فشيئا اكتشفت كم كنت ساذجا، وأيقنت أنني لن أضحك مدى الدهر، أعني دهري أنا، إن التزمت بما التزم به صلاح الدين.

ستون عاما، وجهها الأول مولد "أمة" من شراذم وشذاذ آفاق، ووجهها الآخر تبعثر وطن في الشتات، بأطفاله وشيوخه ونسائه، بأحلام مع وقف التنفيذ، وبيوت تحولت إلى مفاتيح لها بعد رمزي، وأرض اختزلت في خارطة ذهبية تعلق على صدور الحسناوات.

ستون عاما، بدأت بتمنع ورفض للتقسيم، ثم ثورة على الأغراب في إثر ثورة، وشيئا فشيئا، صار التقسيم مطلبا وطنيا، ودارت الدنيا، وتحول كثير من الثوار إلى ممتهني "تفاوض" من أجل التفاوض، طلبا لكمشة تراب، أو متر أرض، لزراعة علم، و"إعلان" دولة تشبه لعب الأطفال، وحتى هذه لم ينلها أحد.

ستون عاما وأنا أرقب المشهد، حتى قبل أن أولد: أرض تنسرب من بين الأصابع، فيبتلعها الغول، أو المغول، وتتحول الاصطلاحات، وتتحور المفاهيم، فتكاد تضيع المعاني، كما يحصل في كريات الآيس كريم الملونة حين تذوب: المجاهد تحول إلى إرهابي (ما رأي الحاج أمين الحسيني لو كان حيا؟) وتصبح التواطؤات "تنسيقا أمنيا"، والتمسك بالحقوق عبثية أو تطرفا.

ستون عاما في عمر الشعوب لا تساوي شيئا، لكنها في عمر فلسطين وأهلها وأمتها، حولت كل شيء إلى ما يغايره ويضاده ويعاكسه، وصنعت من وطن كان يتشكل للتو إلى أرض غريبة مزروعة باللصوص، ستون عاما، كأنها كابوس طويل نرفض أن نفيق منه، بمشيئتنا لا بمشيئة الوسواس الخناس، كابوس، ينتهي بالضرورة بنور في نهاية النفق، حسب نبوءة "الختيار" الميت مؤقتا في رام الله، كي يموت بشكل دائم ذات جنازة في القدس كما أراد.

الدستـــــــــــــــــور

|| الرئيسة | عماد حجاج | الأرشيف | المنتديات | المدونات | الكاريكاتير مترجماً | ألعاب | بطاقات | رسوم متحركة | الرّسّامون الآخرون | English ||
|| من نحن | منتجاتنا | خليوي | للإعلان | شروط الاستخدام | سياسة الخصوصية | للاتصال بنا | وظائف شاغرة | مواقع متميزة | آخر الأخبار؟ ||
جميع الحقوق محفوظة© 1998-2008 Mahjoob.com
تطوير: شركة أبو محجوب للإنتاج الإبداعي