عندما التقيت عماد حجاج أول مرة (1997) في عمان، لم اكن قد طالعت
له رسماً منشوراً من قبل، بل ولم اكن قد سمعت اسمه بعد، كان شابا
بالثلاثين متواضعا وخجولاً، لماحاً وحساساً، يحتفل بافتتاح معرضه
الأول للرسوم الكاريكاتيرية بالأبيض والأسود.وفي المرة الثانية
بعد عامين (1999)، زارني عماد في فندق "عمون"، بالعاصمة الأردنية
حيث استضافني "مهرجان جرش". جلسنا معاً ساعة في بهو الفندق، أهداني
خلالها سفره الثاني (المحجوب 680 صفحة بالألوان) الذي جمع فيه
حوالي 600 من رسومه الصحفية من المرحلة التالية لمعرضه الأول،
والتي أصبحت ملونة وأهداني معه اسطوانة سي-دي حملت الرسوم نفسها.
بعد انصراف عماد تبدلت معاملة أهل الفندق لي: وبعد ابتسامة
“cheese” المصنوعة، والتهذيب الميكانيكي المعتاد من أهل الفنادق،
صرت نزيلا له احترام خاص بل وله أيضا بعض إعجاب الموظفين، ولم لا
وأنا شخص يأتي إليه عماد حجاج زائرا وبقيت استمتع بهذه المعاملة
المميزة إلى أن غادرت.
بعد حوالي العامين قابلت ناشطة أردنية في المجال الثقافي تقيم
في عمان التي تراها مجتمع مغلقا يتسم بالركود قالت لي أن في البلد
أشياء قليلة تساعدها على احتمال العيش هناك، في مقدمتها مطالعة
كاريكاتور عماد حجاج في الجريدة كل صباح.
أذن فلتعلم أيها القارئ الكريم قبل أن نبدأ عن أي نوع من النجوم
المحبوبين سوف نتحدث.
بدأ عماد (من مواليد رام الله 1967) عمله كرسام كاريكاتير
متدربا من الصحف الجامعية والمحلية حتى احتل موقعا في جريدة القدس
العربي اللندنية(1961) ثم اصبح رسام الكاريكاتير الأول لجريدة
الدستور (1992) وبعدها الرأي (1993-1999) وتعد كلتاهما الجريدة
الأولى بالأردن، أو الأولى مكرر ،والآن تستقر مساحة عماد اليومية
في جريدة الغد أحدث صحف الأردن عمرا إذ صدرت هذا العام.
كان كتاب معرضه الأول (1997) يحمل عنوان عالم ذهني ولعله اختار
هذا العنوان تفاخرا وزهوا بالانتساب إلى الذهنية ومحاولة لفض اليد
من النكتة العصبية الشعبوية عالية الصوت وما إلى ذلك. وفي الحقيقة
ضم الكتاب بعض كاريكاتورات بلا تعليق تمثل هذا الاتجاه الذهني
النخبوي الذي لا يتوجه إلا من يحملون شهادة جامعية على الأقل وكانت
رسوما متميزة، نرى فيها تفردا ولغة جرافيكية بليغة قادرة بفضل
التفوق في أداء الرسم على التواصل مع القارئ العربي.
ومع تلك الرسوم الذهنية الرمزية القليلة العدد نسبيا والتي كان
اغلبها سياسيا صرفا. كانت هناك أغلبية من رسوم أخرى اقل احتفالا
بالذهنية وبسكون (بدون تعليق)، لكن كان فيها ما قد يكون أهم معرفة
وثيقة بالشارع الأردني والفلسطيني/الأردني، وبدخائل المجتمع بسيط
الحال وطبقاته المرهقة. كان في الرسوم معرفة واعية بالأزمات
العديدة التي تطحن الناس وتتراكم متلاحقة فوق رؤوسهم وبطرق
مواجهتهم لها ونقدهم للأحوال الزفت ووسائل تحايلهم على قسوة الحياة
الخانقة باختراع بعض أشكال الترفيه الحمقاء وحجج التلاصق الاجتماعي
للاحتماء من البلاوي والمصائب المعلقة فوق الرؤوس على وشك الإسقاط
ومحاولة تناسي وجودها.
وكان في رسوم عماد حجاج تلك أيضا معرفة بصرية حميمة بتفاصيل
حياة ناسه في الدار وفي الشارع وفي دوائر العمل وفي ميكروباصات
السيرفيس، وفي الطوابير أمام أفران الخبز.
بعد معرضه (1997) "عالم ذهني" انطلق عماد إلى أفاق جديده أوسع
وأضح وتفاقمت فكاهته وتركبت وازداد تفردها وصارت اقوى نفاذاً.
وتوثقت علاقته مع قارئه وعرف كل منها لغة الأخر وإشارته ولزماته
ومفاجآته. وارتقى عماد حجاج كثيراً بما عرضه في معرضه الأول وكتابه
الأول، وأصبحت رسومه وكأن موضوعاتها أصبحت اجتماعية، إلا أن
السياسة كانت عمودها الأساسي وكان الرسام هو السياسي. وتحول عماد –
منذ 1997- إلى الكاريكاتور الملون، كما تحول إلى إنجاز رسومه
بواسطة الكمبيوتر، بعد أن ملكت برامج الرسم والتصميم ومعالجة
الصور. ولم تعد هناك أي أصول ورقية لرسومه الكاريكاتورية. واصبح
الكاريكاتور عنده يبدأ وينتهي على شاشة الكمبيوتر، وينتقل إلى صفحة
الجريدة عن طريق الشبكة. وعندما ترى أعمال عماد المنجزة بهذه
التقنية، لا تشك لحظه إنها مرسومة على ورق خاص بالرسامين المحترفين
وبالحبر وبالألوان المائية وتشعر باللمسة الطرية لشعر الفرشاة
المبللة بالماء الملون على سطح الورق. الذي تتشرب أليافه العطشى
الماء والألوان بشوق بل وقد تجد أن هذه الرسوم الحديثة اكثر طزاجة
أقوى تعبيرا من تلك الأقدم.
كان ضمن ما تعرفنا عليه في رسوم عماد بدءاً من كتاب "عالم ذهبي"
1997 سلسلة من رسوم الكاريكاتور يظهر فيها شخصان متلازمان مثل
أمناء شرطة الدورية وزعيط ومعيط، ولوريل وهاردي، وغيرهم. كان
أحدهما نحيفاً وفقيراً يضع الحطة الأردنية الحمراء على رأسه، ويلبس
بنطلوناً وجاكيته يبدو عليهما الإرهاق. له وجه نحيل ممصوص، وذقن
عظمية طويلة ورقبة نحيفة عجفاء عيناه مكورتان ينفرج جفناهما عن
بؤبؤين صغيرين بهما حول ناحية الداخل ولا يخلوان من مجون ونذالة.
ويبدو هذا الشخص – مثل "أبو زيد السروجي" بطل "مقامات الحريري"
الخمسين – جامعاً بين الحكمة والصعلكة، والطيبة واللؤم، وخفة الدم
والاحتيال، والقدرة على كشف المستور والبلاهة في آن. هذا هو "أبو
محجوب" بطل الثنائي.
أما رفيقه "أبو محمد" فهو شامل التكور جسمه مكور وبطنه مكورة
وعجيزته مكورة، ووجهه مكور وكذلك منخاره وعيناه الضفدعيتان
المنتفختان المكورتان. شاربه هتلري ويضع طاقية من الصوف الاصطناعي
ينزلها حتى أذنية. ويلبس "أبو محمد" ملابس تبدو رياضية وأحيانا يضع
حذاء مطاطياً أبيض اقرب إلى طفل سمين يتحرك برشاقة وخفة رغم أنه
اقل كفاءة وقدرة من زميله "أبو محجوب".
وفي كتاب عماد الثاني، الذي عنونه "المحجوب" (1999)، نستطيع أن
نرى التطور والتركيب اللذين مر بهما "أبو محجوب" و "أبو محمد" على
مدى يقارب العشر سنوات حتى اصبحا كما نعرفهما اليوم في شكلهما
الحالي وتركيبتهما المعروفة الآن.
وقد اختار عماد حجاج أن يجعل منهما شخصيتين ثابتتين لكنهما أيضاً
ليستا بثابتتين. فنرى "أبو محجوب" يبيع البطيخ في الطريق ومسؤولاً
كبيراً على مكتب ضخم وحارساً لبوابة عمل (لعله الصحيفة التي عمل
بها عماد بالفعل)، وموظف استعلامات، وصاحب دكان تافه، وبائع في
محل، وموظف غلبان، ومغنى إفرنجي في ملهى ليلي يلعب فيه "أبو محمد"
وظيفة الشيف اللبناني في المطبخ أما منزله فيكاد يكون ثابتا وان لا
يوجد مانع من تغيير كل أثاث المنزل وكل غرفة فجأة يظهر ابنه الكبير
"محجوب" كطالب جامعه قد اخضوضر شاربه ولحيته ثم يتخرج ويقعد
متبطلاً بلا عمل يشبه أبيه لكنه طويل القامة عريض الكتفين وفي
عينيه ذات الدرجة من الحول وفي فترات أخرى لا يظهر هذا الابن ويكاد
يختفي من الرسوم ويظهر بدلا منه أبناء وبنات اصغر أما "أم محجوب"
فإنها رغم شكلها الموحد ليست على موقف واحد ويتراوح بين الطاعة
والاستكانة وبين التمرد والهجوم وفي إحدى الرسوم تفاجئ "أم محجوب"
زوجها بأنها حامل في الشهر الثامن.
ويلتقي الثنائي "أبو محجوب" و "أبو محمد" كثيراً فوق سطح المنزل
وفي غرفة المضيفة التي يجلسان فيها كثيراً على الأرض ويأكلان من
أطباق وضعت على جرائد مفروشة أو يجلسان إمام المنزل أو متجاورين في
ميكروباص السرفيس وفي حال تحسن الأحوال يجلسان في المقهى.
ومنذ سنوات مضت اصبح الرفيقان "النحيف والمكور" علمان معروفان
لكل مواطن أردني يقرأ الصحف الأردنية وينهض ذلك المواطن كل صباح
ينتظر منها مفاجأة تعلق على ما يشغل باله من أمور السياسة المتعلقة
بالوطن الصغير والأخر الكبير ومن أشكال الصراع بيننا وبين أمريكا
وإسرائيل ومن هموم الحياة المحلية في الأردن تصرفات الحكومة
الحائرة إلى أزمة ماء الشرب وانقطاعه لآجال طويلة إلى أزمات
المعيشة والغلاء والفساد وغيرها غالبا ما تختلط القفشات التي تبدو
صغيرة بالموضوعات المحلية وبالعربية ثم بالكونية ولعل هذا ما فتن
قراء عماد حجاج حتى صاروا يعرفون لغة رسمه وإشارته ورموزه وخريطة
تفكيره ونوع مقالبه الفكاهية وصار الرسام أيضاً يعرف أهل
كاريكاتوره جيداً ويجيد اللغة البصرية واللفظية التي يوصل لهم بها
رسالته اليومية بامتياز فهو ملك في لغته البصرية المرسومة وملك
كبير أيضاً في فكهاتة المكتوبة المنطوقة داخل الرسم وبالإضافة إلى
موهبته النادرة تعود هذه الخبرات المميزة لرسام شاب إلى تجربة عماد
العريضة في الحياة كواحد من ملح الأرض وفلفلها وكتلميذ ابتدائي في
مدارس وكالة غوث اللاجئين في مخيم الوحدات بعمان إذ جعلته تلك
التجربة يعرف الكثير من تقاليد صنع أولاد البلد لفكاهتهم وعبثهم
ويستوعبه ليصبح بدوره منتجاً ممتازاً لتلك الفكاهة وذلك العبث.
رسم عماد على الكمبيوتر رسوماً جميلة نقلت روح حياة الفقراء
التعيسة الضاحكة وبمفرداتها التي احتفظ بها الرسام على حالتها ولم
يبدل منها لحساب تكوين اللوحة أو العلاقات الشكلية بل نجده وقد هوى
تلك المفردات البذيئة المظهر و "الكيتش" التي تزخر بها حياتنا
وبيوتنا وأبدع منها رسوماً حميمة جعلت القلوب تنفتح له.
عماد -في الأساس- رسام موهوب يهوى الرسم ويحبه ويرقص له لكنه
استفاد كثيراً –أيضاً- من دراسته في كلية الفنون الجميلة جامعة
اليرموك في القبض على قواعد المنظور ومعرفة قواعد التشريح وهضمها
كما استفاد من عمله لفترة طويله في ميدان التصميم الجرافيكي الذي
أعطاه خبرة عميقه في تصميم رسومه الكاريكاتورية وقد اصبح الآن
قادراً على أن يرسم ما يريده وما يقرره وما يتطلبه كاريكاتوره بيسر
وبأستاذية، دون أن يشعر قارئه بالإرهاق الذي بذله في إنجاز العمل
بل يتركه متفرغاً لاستقبال فكاهته ومزاحه "العنقودي" الذي تتوالى
انفجاراته منذ أن تنفجر في وجه قارئه المزحة الرئيسية لا يكتفي
رسامنا بفكرة كاريكاتورية واحدة بل يصاعد ويفاقم الحالة الفكاهية
فضمن تفاصيل رسمه ستجد الكثير من الهدايا -فوق البيعة- مرسومة
ومكتوبة في الحنايا: ستجد ضمن غرفة طعام الضيوف في بيت "أبو محجوب"
صورة على الحائط له مع "كارلوس" وفي رسم أخر ستجد صندوقاً مخصصاُ
لتلقى الاقتراحات معلقاً على حائط غرفة أخرى وفي مشهد يحمل فيه
"أبو محمد" علبة سمن تجد عماد قد كتب عليها "السم في الدسم" وعلى
ملصق صغير جداً على الحائط لا علاقة له بموضوع الكاريكاتور تجده قد
كتب عليه "أخي الحرامي الأردن لنا جميعا" وفي رسم أخر يمثل حالة
انهيار عدد من الموظفين عند دخول إحدى زميلاتهم الفاتنات ويقود
الانهيار "أبو محجوب" بينما يقف "أبو محمد" يلعب بيده في أصابع يده
الأخرى وقد يوجه الرسام إلى الكفين سهما كتب عليه "أبو محمد التافه
شلح الدبلة"! وفي العامين الأخيرين (2003 و 2004) تلاحقت على
رؤوسنا المصائب والضربات المتلاحقة وبدونا كمن حكم عليه بالإعدام
وينتظر يوم التنفيذ وهنا بدا أن عماد حجاج أدرك فداحة الكوارث
واطلع -مثل كثيرين- على خطة الأعداء المكشوفة كالشمس فرفع الصوت في
رسومه لينبه، ولكي نسمعه نحن الذين نبدو في إغفاءة طويلة ومن رسومه
في الفترة التي كانت أمريكا وحلفاؤها يجهزون -على الملأ- لضرب
العراق واحتلاله للسيطرة على نفطه وعلى منطقتنا جمع عماد حجاج
عدداً من الأعمال في كتاب ثالث كبير القياس عنوانه "نفط على قماش"
في تحوير ساخر للتعبير التقني في الفن التشكيلي “Oil on Canvas”
وبدت في هذه الرسوم أن الأولوية للتنبيه وللغضب وللأحزان ولم يضم
الكتاب سوى رسوماً قليلة من نوع "أبو محجوب" و "أبو محمد" (ليحذر
عماد أن يجرفه الهول الحالي والقادم بعيداً عن هذين "الأبوين"
خفيفي الدم وليقبض عليهما بيد المودة والفخر والاعتزاز بهما فهما
جزء هام من رصيده العظيم) لقد ضبط عماد حجاج موجة كاريكاتوره
-لأكثر من عشر سنوات- على دقات قلوب أهله في الأردن وفي فلسطين مما
جعله -حتى عهد قريب- رساماً أردنياً / فلسطينياً ثم اتسعت دائرته
عندما توالى نشر كاريكاتوره في جريدة "القدس العربي" اللندنية التي
توزع في أوروبا وتصل إلى عدد من البلدان العربية وأظن أن الدائرة
ستظل في اتساع إلى أن تشمل العالم العربي بل العالم كله لما تحتويه
رسومه من قيم إنسانية مشتركة ومن قضايا كبيره يتداولها العالم اجمع
ومن فكاهة راقية واعية تكشف خيبة الإنسان الفرد وفشله المتكرر
وحيرته أمام الوجود المتشابك وتتندر على تفاهة معاركه الصغيرة في
مجتمعه الصغير الفقير والبائس والمتراحم والمتحاقد.
في رسوم عماد حجاج الغارقة في المحلية الرائعة كل الصلاحية
لتصبح عالمية تلبي فضول العالم لمعرفة كيف نعيش وكيف نفكر وكيف
نضحك. |