هذا الفيلم وبكل مقاييس السينما والفن الدرامي والإنتاج الضخم يمثل
قفزة نوعية كبيرة جدا في تاريخ السينما العربية كلها بدءا من جرأة
الطرح وإعادة التأكيد على حقائق معتم عليها وممحية من الذاكرة
الغربية وحتى العربية كل ملابساتها وهي تحديدا اللجوء الفلسطيني
إبان حرب الـ 1948 وليس انتهاءً بالأداء العالي والساحر لأغلب
ممثلين الفيلم بعيدا عن المبالغات والصراخ والعويل حيث أن هذه
الشخصيات رسمت صورا إنسانية حقيقية بكل أبعادها سلبا وإيجابا..
إضافة إلى تنفيذ المشاهد الضخمة في النزوح الفلسطيني من الجليل
باتجاه لبنان الذي كان دائما وحسب الرواية الإسرائيلية إما خروجا
طوعيا أو بموجب أوامر الجيش العربي الذي ساهم فعلا في نكبة فلسطين
الأولى..
في هذه المشاهد نرى وللمرة الأولى على الشاشة الكبيرة وبالتالي على
شاشة قنوات تلفزيونية أوربية أو غربية كيف أن الإسرائيليين
وبمساعدة جيش الانتداب الإنكليزي كانت تطلق الرصاص على جموع
المهاجرين في كل مرة يلتفتون بها للعودة إلى قراهم مما يكذب مقولة
الانسحاب الطوعي والتنازل عن الأراضي ببيعها للإسرائيليين ورغبة
أهل الجليل بالنزوح إلى لبنان..
فيلم تميز بجماليات بصرية عالية وتحريك جميل وصادق للمجاميع الضخمة
وإبراز هذا الإنتاج الضخم بعيدا عن البطولات الفيلمية والتراكم
الكمي لعناصر الإنتاج دون هدف سوى إظهار تكاليف الإنتاج.. استطاع
فيه المخرج أن يرسم وعبر فيلم طويل {مدته حوالي 4 ساعات ونصف
تقريبا يندر جدا أن تشعر خلالها بالملل} ملحمة بطولية إنسانية
رائعة عن فلسطين وعن التعلق بالأرض مهما اشتدت معاناة الشعب فيها
ومهما طفح الفقر فوق سطح الحياة آنذاك مقارنة بالرفاهية التي
تعيشها الجماعات الإسرائيلية في الكيبوتزات المغلقة المسيجة
بالأسلاك الشائكة وكشافات الضوء التي كان أبناء الوطن الأصليين
يقفون ورائها مبهورين بهذه الحياة الجديدة التي تنمو ضمن معسكرات
مغلقة مسيجة صوّرت بطريقة تحي لنا فورا إلى معسكرات الاعتقال
النازية مع الفرق أن البؤس يقع خارج هذه المعسكرات الهجينة على
عالم وقرى الجليل التي غرست بينهم كخنجر في جسد أرض تنزف..
الحديث يطول عن هذا الفيلم الذي يعرض حاليا في صالات عمان والذي أثار عند
عرضه نهاية الشهر العاشر الماضي على مدى سهرتين متتاليتين في قناة
الثقافة والفكر الفرنسية ART زوابع لن تنتهي من قبل المنظمات
الصهيونية ومن قبل كل المفكرين والفلاسفة المقربين من الحركة
الصهيونية إلى درجة رفع دعاوى ضد القناة نفسها والتي تتميز عادة
بمحاباتها لليهود وللحركة الصهيونية كما في أغلب قطاعات الميديا
والإعلام والبروبغندا الغربية..
فيلم يعيد كتابة التاريخ ويصحح أخطاءه كما يعيد على المستوى
الجمالي الفني تصحيح تذوقنا في طرح القضية الفلسطينية عبر وسائل
الإعلام السمعبصرية والتي عودتنا دائما ومن خلال مسلسلات وأفلام أن
رؤية القضية الفلسطينية لا تكون إلا بالعويل والصراخ ...
فيلم جدير بأكثر من المشاهدة |